السبت، 25 فبراير 2017
رئيس التحرير
د.صالح سالم النهام

الشيخ حسن حبنكة الميداني.. حياة حافلة بالعلم والدعوة والإرشاد

  ✍ سلامة عبدالقادر المحاميد - باحث شرعي: إن معرفة تراجم العلماء الربانيين والاطلاع على ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

117 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

 24 24

محمد شعبان أيوب – كاتب وباحث مصري:

حين يرى المرء شهادات المستشرقين المنصفين للإسلام وحضارته، وقد تنوعت هذه الشهادات لتشمل كافة المظاهر والنظم المتعلقة بهذه الحضارة الخالدة، ومنها الجانب العلمي؛ فإن إحساسا من الاعتزاز والفخر يملك عليه نفسه.

فالمستشرق البريطاني الأشهر توماس أرنولد (ت 1930م) يقول: «كانت العلوم الإسلامية وهي في أوج عظمتها تضيء كما يضيء القمر فتبدد غياهب الظلام الذي كان يلف أوربا في القرون الوسطى». أما مؤرخ العلم الأمريكي من أصل بلجيكي«جورج سارتون» (ت 1956م) فيقول في كتابه «مقدمة في تاريخ العلم»: «إن الجانب الأكبر من مهام الفكر الإنساني اضطلع به المسلمون؛ فـ «الفارابي» أعظم الفلاسفة، و«المسعودي» أعظم الجغرافيين، و«الطبري» أعظم المؤرخين». (1)

ولم يكن اعتراف هؤلاء بأسبقية الجانب العلمي وإبداع المسلمين من فراغ، فإن مجرد النظر في أصول الإسلام وتجربته التاريخية تكشف لنا الأسباب التي جعلت المسلمين يبزغون في سماء العلم لقرون متطاولة!

أمة العلم.. «اقرأ»!

إن أول آية نزلت على نبينا قوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} (العلق: 1)، والقراءة أنجع الوسائل في تحصيل المعرفة، لكن القراءة في الإسلام انضبطت في هذه الآية بضوابط العقيدة والتوحيد بالإله الخالق وانطلقت منها، وإن الآيات البينات التي تبين آليات تحصيل العلم كثيرة، منها قوله تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (النحل: 78)؛ فهذه الآية توضح النعمة التي يتنعم بها الناس؛ فكل إنسان يملك سمعا وبصرا وفؤادا قادر بلا شك على تحصيل العلم ونيله «والقرآن يعبر بالقلب ويعبر بالفؤاد عن مجموع مدارك الإنسان الواعية، وهي تشمل ما اصطلح على أنه العقل، وتشمل كذلك قوى الإلهام الكامنة المجهولة الكنه والعمل. جعل لكم السمع والأبصار والأفئدة { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} حين تدركون قيمة النعمة في هذه وفي سواها من آلاء الله عليكم» (2). فالله تعالى في هذه الآيات يبلغنا أن العلم نعمة، وإن أدوات تحصيل هذا العلم نعمة أخرى تستحق الشكر لكل متأمل.

وإن أحاديث النبي لا تخرج عن إطار آيات الله في كتابه المجيد، غير أنها تعطي لنا مزيدا من التبيان والتوضيح، فالعلم بدين الله أساس النهضة في التصور الإسلامي، وهو ما يكشفه لنا حديثه الذي أخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما عن أبي موسى "رضي الله عنه" ، عن النبي " صلى الله عليه وسلم" قال: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا، فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه بما بعثني الله به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به» (3).

ولذلك أفنى عدد من الصحابة حياتهم في طلب العلم، وكانوا الأسوة للأجيال التالية من التابعين وغيرهم، فقد أخرج البخاري في صحيحه في كتاب العلم عن أبي هريرة "رضي الله عنه" قال: «كنت امرأ مسكينا ألزم رسول الله على ملء بطني، فأحضر حين يغيبون، وأعي حين ينسون، وقال النبي يوما: «لن يبسط أحد منكم ثوبه حتى أقضي مقالتي هذه ثم يجمعه إلى صدره فينسى من مقالتي شيئا أبدا». فبسطت نمرة ليس علي ثوب غيرها حتى قضى النبي مقالته ثم جمعتها إلى صدري فوالذي بعثه بالحق ما نسيت من مقالته تلك إلى يومي هذا، والله لولا آيتان في كتاب الله ما حدثتكم شيئا أبدا: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160) } (البقرة: 159-160) (4).

وعن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال: «خرجت أنا وأبي نطلب العلم في هذا الحي من الأنصار قبل أن يهلكوا» (5)، وكان الوليد ابن الصحابي الجليل عبادة بن الصامت من صغار الصحابة أيضا، إلا أن هذا المثال يبين لنا حرص هؤلاء الكبار على تعلم العلم وجمعه من مظانه، حتى إن الوالد والولد كانوا يخرجون سويا لطلب العلم!

ولقد أحصيت في كتابي «كيف ربى المسلمون أبناءهم، رحلة في تاريخ التربية الإسلامية» أمثلة كثيرة لجيل الصحابة كباره وصغاره، والآليات المتنوعة والفذة التي اتخذوها في ذلك العصر المبكر من تاريخ الإسلام لترسيخ العلم ونشره بينهم، حتى إن بعضهم كان يقدم من السفر الطويل المرهق لطلب حديث واحد من أحاديث رسول الله " صلى الله عليه وسلم" (6)، فقد «قدم رجل من المدينة النبوية على أبي الدرداء وهو بدمشق، فقال ما أقدمك يا أخي؟ فقال: حديث بلغني أنك تحدثه عن رسول الله. قال: أما جئت لحاجة؟ قال: لا. قال: أما قدمت لتجارة؟ قال: لا. قال ما جئت إلا في طلب هذا الحديث؟!» (7).

طلاب العلم في حضارة الإسلام

وتبدو معاناة طلبة العلم في حضارة الإسلام ظاهرة فريدة متواترة، لكنها ظاهرة بذل هؤلاء الأعلام في سبيلها كل راحة ودعة حتى ينالوا العلم ولذته، وبهذا العلم نهضوا وبذوا وارتقوا.

والأمثلة على ذلك لا تحصى لكن حسبنا منها ما يفيد المقام، فقد ذكر الإمام الذهبي في ترجمة الإمام ابن المقرئ محمد بن إبراهيم الأصفهاني (ت385هـ) قال: كان ابن المقرئ يقول: كنت أنا والطبراني وأبو الشيخ ابن حيان (أثناء طلبهم لعلم الحديث) بالمدينة، فضاق بنا الوقت – يعني فراغ أيديهم من النفقة، فواصلنا ذلك اليوم، أي صاموا ذلك اليوم إلى صيام اليوم الذي قبله، فلما كان وقت العشاء، حضرت القبر وقلت: يا رسول الله الجوع! فقال الطبراني: اجلس، فإما يكون الرزق أو الموت! فقمت أنا وأبو الشيخ – أي قاما يصليان لله تعالى – فحضر الباب علوي ففتحنا له الباب، فإذا معه غلام بقفتين فيهما شيء كثير، وقال: شكوتموني إلى النبي : رأيته في النوم فأمرني بحمل شيء إليكم! (8)

أما الإمام العلامة ابن الجوزي (ت 597هـ) فيروي عن نفسه بعض الشدائد التي نالته في بدء طلبه للعلم، وعن محامد صبره في تلك الشدائد، قائلا: لقد كنت في حلاوة طلبي العلم ألقى من الشدائد ما هو عندي أحلى من العسل، لأجل ما أطلب وأرجو، كنت في زمن الصبا آخذ معي أرغفة يابسة، فأخرج في طلب الحديث وأقعد على نهر عيسى في بغداد، فلا أقدر على أكلها إلا عند الماء، فكلما أكلت لقمة شربت عليها، وعين همتي لا ترى إلا لذة تحصيل العلم، فأثمر ذلك عندي أني عرفت بكثرة سماعي لحديث الرسول وأحواله وآدابه، وأحوال أصحابه وتابعيهم» (9).

هذا النشاط من طلبة العلم في حضارتنا في طلب العلم الشرعي الشريف، لم يكن لينفك عن طلب العلوم الدنيوية بكافة مجالاتها؛ إذ كان المنهج العلمي يزداد رسوخا في الجانبين على السواء.

إن ذلك المنهج أشاد به المستشرقون، وعدوه ابتكارا لا يزال يثير الإعجاب والتقدير، وفيه تعترف المستشرقة الألمانية الشهيرة زيجرد هونكة فتقول: «لم يبدأ البحث العلمي الحق القائم على الملاحظة والتجربة إلا عند العرب. فعندهم فقط بدأ البحث الدائب الذي يمكن الاعتماد عليه، يتدرج من الجزئيات إلى الكليات، وأصبح منهج الاستنتاج هو الطريقة العلمية السليمة للباحثين، وبرزت الحقائق العلمية كثمرة للمجهودات المضنية في القياس والملاحظة بصبر لا يعرف الملل، وبالتجارب العلمية الدقيقة التي لا تحصى اختبر العرب النظريات والقواعد والآراء العلمية مرارا وتكرارا؛ فأثبتوا صحة الصحيح منها، وعدلوا عن الخطأ في بعضها، ووضعوا بديلا للخاطئ منها متمتعين في ذلك بحرية كاملة في الفكر والبحث، وكان شعارهم في أبحاثهم: الشك أول شروط المعرفة. تلك الكلمات التي عرفها الغرب بعدهم بثمانية قرون» (10). وبهذه الشهادة الثمينة نختم حديثنا عن بعض صور النشاط العلمي في حضارتنا، لعله يكون دافعا لأبناء جيلنا وعصرنا للانطلاق والنجاح.

الهوامش

1-عماد عجوة: شهادات استشراقية أنصفت الحضارة الإسلامية، على الرابط: http://www.hiramagazine.com

2- سيد قطب: في ظلال القرآن، دار الشروق، الطبعة السابعة عشر – القاهرة، 4/2186.

3- البخاري، تحقيق مصطفى البُغا (ح79)، ومسلم، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي (ح2282).

4- البخاري (ح 2223).

5- مسلم (ح 3006).

6- محمد شعبان أيوب: كيف ربى المسلمون أبناءهم، رحلة في تاريخ التربية الإسلامية، مؤسسة اقرأ للنشر والتوزيع – القاهرة، 2011م، ص13- 48.

7- سنن أبي داود، تحقيق محمد محي عبد الحميد (ح 3641)، وسنن الترمذي، تحقيق أحمد محمد شاكر وآخرين (ح 2682).

8- الذهبي: تذكرة الحفاظ 3/973، 974.

9- عبد الفتاح أبو غدة: صفحات من صبر العلماء على شدائد العلم والتحصيل، مكتب المطبوعات الإسلامية، الطبعة الثانية – حلب، 1974م، ص70- 72.

10- زيجرد هونكة: شمس العرب تسطع على الغرب، ترجمة فاروق بيضون وكمال دسوقي، دار الجيل، الطبعة الثامنة – بيروت، 1993م، ص401.

 

 

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

الأوقاف تكرم حفظة القرآن الكريم

  الكويت – الوعي الشبابي: أكد وكيل وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية فريد عمادي أن من ...

وسائل ناجعة لتعزيز التفاهم بين الزوجين

  الكويت – الوعي الشبابي: لا بد وأن يسود التفاهم والانسجام بين الزوجين لكي يعيشا حياة ...

"أي بني".. 111 وصية من دُرر الويشي إلى أجيال الحاضر والمستقبل

  القاهرة – محمد عبدالعزيز يونس: بكلمات موجزة، وأسلوب ماتع بليغ، يجمع الكاتب د.عطية ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال