الإثنين، 17 فبراير 2020
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

محدث عصره العلامة الألباني

✍ هشام الصباغ - باحث لغوي: انطلاقا من مقولة «الناس موتى وأهل العلم أحياء»، نسلط في ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

197 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

كيفية احترام الزوج

حمزة بلقرية - باحث في الفكر الإسلامي:

من الفطرة البشرية ميل الرجل والمرأة بعضهما لبعض، وكل منهما يحتاج إلى الآخر، ويكمله. والإسلام دين الفطرة؛ فجعل الله عزوجل الزواج هو السقف الوحيد الذي يجتمعان تحته ويتقاسمان فيه كل تفاصيل حياتهما، فلذلك نظم الله هذه العلاقة وجعل لها آدابا وقواعد تسير عليها حتى تكون حياة زوجية سعيدة يشعر فيها كلا الطرفين بالسكينة والطمأنينة.

إن أول خطوة يقوم بها المسلم من أجل بناء أسرته هي البحث عن الزوج أو الزوجة، وقام الإسلام بتوجيه هذا الاختيار حتى تنجح هذه العلاقة الزوجية، وحدد له معاييره؛ فالرجل مطالب بحسن اختيار زوجته والمرأة كذلك. وجاءت السنة النبوية لتحدد معايير الاختيار السليمة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك»(1)، وعن أبي هريرة أيضا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض، وفساد عريض»(2).

ونستنتج من هذين الحديثين أن القاسم المشترك في الاختيار هو الدين وحسن الخلق، فمن الخطأ اليوم في مجتمعاتنا أن نجعل اختيار الزوجة قائما على جمال جسدها أو مالها أو حسبها فقط، ونهمل جانب الأخلاق والدين فيها، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم يسعى إلى الارتقاء بأذواقنا المنحسرة في المظاهر المادية أو في الميول الشهوانية؛ لأن جمال المرأة قد يزول بتقدمها في السن، ومالها قد ينفد وتصيبها فاقة، وحسبها لا قيمة له إن كانت لا أخلاق فيها وإن كانت بعيدة عن دينها وغير ملتزمة به، فصلاح الزوجة يكون في صلاح دينها وخلقها؛ لأن الحياة الزوجية ليست مقتصرة على تلبية الغريزة الجنسية فقط، بل هي مشاركة الزوج لزوجته أعباء الحياة وكل تفاصيلها والبقاء إلى جانبها إلى آخر حياته، فلو فقدت الزوجة هاتين الصفتين الأساسيتين من حسن خلق ومن تمسك بدينها، فإن الحياة الزوجية لن تستقيم وستسوء العلاقة فيما بينهما وسينفر بعضهما من بعض؛ بسبب سوء الخلق في القول والفعل، وبسبب فساد تصوراتها واختلال القيم عندها لبعدها عن دينها الذي هدفه تهذيب سلوك الفرد وتصحيح مساره في الحياة ونظرته إليها.

كذلك معيار اختيار المرأة لزوجها يكون على حسب خلقه ودينه وليس على أساس المظاهر المادية الزائلة التي لا قيمة لها في ميزان الشرع، وقد قال رجل للحسن: «قد خطب ابنتي جماعة فمن أزوجها؟ قال: ممن يتقي الله، فإن أحبها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها»(3)، فالرجل السيئ الخلق لن يكون عنصرا ناجحا وفعالا في أسرته، وستكثر أذيته لزوجته، وقد يصل به الأمر إلى تعنيفها. وإذا أضيف إليه البعد عن الدين، فإنه سيحملها ما لا طاقة لها به، ولن يحترم حقوقها، وسيهملها ولن يخاف الله فيها.

ولعل من الفتنة والفساد اللذين ذكرهما الحديث انتشار نسب الطلاق داخل المجتمع وتفكك الأسر وضياع الأبناء. ويعتبر الإسلام الزواج عبارة عن علاقة حب ومودة ورحمة بين الزوجين وكل منهما للآخر؛ يلتمس فيه السند والعطف والمواساة والأمن، ويتجلى ذلك في قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (الروم:21)، فالله عزوجل، بوصفه الدقيق، يخبرنا أن الزوجة جزء من الرجل، وأنه خلقها منه حتى يترفق بها ويحسن إليها ويكرمها.

يشهد عالمنا العربي اليوم ارتفاعا ملحوظا في نسب الطلاق، ويعود ذلك إلى عدة أسباب، فمن أكبر المشكلات اليوم بين الزوجين الإهمال وانشغال بعضهما عن بعض، فلا يتحدثان ولا يمضيان وقتا طويلا معا ولا يتقاسمان مشاق الحياة حتى تتسم العلاقة بينهما بالبرودة، وقد فطن رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذا الأمر، فنراه، رغم عبء الدعوة ومشاقها، يلاعب زوجاته ويتسابق مع أمنا عائشة - رضي الله عنها - فتسبقه ويسبقها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان بالليل سار مع عائشة يتحدث(4).

وكذلك اعتبر رسول الله صلى الله عليه وسلم من ينفق على زوجته ويرفع اللقمة لفمها أن له أجرا عند الله فقد قال صلى الله عليه وسلم: «إنك لن تنفق نفقة إلا أجرت عليها حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك»، بل جعل الاهتمام بالزوجة في حالة مرضها كمن له أجر من جاهد معه، فعندما مرضت بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر النبي صلى الله عليه وسلم زوجها عثمان بن عفان رضي الله عنه أن يبقى عندها ليمرضها وتخلف عن معركة بدر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه»(5).

ومن أكبر المشكلات أيضا قسوة الزوج على زوجته إذا صدرت أذية منها أو بسبب عيب فيها، مما يورث النفور بينهما، وقد ضرب لنا رسول الله مثالا عاليا في الصبر على الزوجة حتى نقتدي به، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصحفة (إناء) فيها طعام، فضربت التي النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها يد الخادم، فسقطت الصحفة فانفلقت، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم فلق الصحفة، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة ويقول: غارت أمكم، ثم حبس الخادم حتى أتي بصحفة من عند التي هو في بيتها، فدفع الصحفة الصحيحة إلى التي كسرت صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت التي كسرت»(6).

وكذلك أمرنا بالتجاوز عن عيوب الزوجة والنظر إلى محاسنها فقال صلى الله عليه وسلم: «لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي منها آخر» (7).

ومن أكبر المشكلات أيضا أن تفقد الزوجة عطف زوجها ولا تشعر بمواساته لها إذا حزنت ويعاملها بجفاف عاطفي فلا تشعر بحبه لها، ولو نظرنا في حياة الرسول الزوجية لوجدناه يصرح بحبه لزوجته خديجة فيقول: «إني قد رزقت حبها»(8).

كذلك كانت صفية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، وكان ذلك يومها، فأبطأت في المسير فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تبكي وتقول حملتني على بعير بطيء، فجعل رسول الله يمسح بيديه عينيها، ويسكتها..»(9)، ومن المشكلات أيضا أن يحمل الرجل زوجته ما لا تطيق من أعمال المنزل، فمن رحمة رسول الله بأزواجه أنه كان يخصف نعله بنفسه ويخيط ثوبه بنفسه، وعندما سئلت أمنا عائشة - رضي الله عنها - ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته؟ قالت: كان في مهنة أهله(10).

ومن المشكلات أيضا أن يفقد الزوج سند زوجته له في شدائده، ويعتبر زوجات الرسول خير قدوة لكل مسلمة، فعند بداية الدعوة قامت أمنا خديجة بتثبيت النبي صلى الله عليه وسلم عندما فزع إليها وقامت بالرفع من معنوياته، وفي صلح الحديبية عندما لم يستجب له الصحابة حين أمرهم بالنحر والحلق، دخل صلى الله عليه وسلم غضبان على أم سلمة، فأشارت عليه وهدأت من روعه وقالت: «يا رسول الله، قد دخلهم ما قد رأيت، فلا تكلمن منهم إنسانا، واعمد إلى هديك حيث كان فانحره، واحلق فلو قد فعلت ذلك، فعل الناس ذلك»، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكلم أحدا حتى أتى هديه فنحره ثم جلس فحلق، فقام الناس ينحرون ويحلقون(11).

ومن المشكلات أيضا ربط السعادة الزوجية بالماديات وتكليف الزوج ما لا يطيق من مصاريف ومن كماليات، وفي المقابل كانت زوجات النبي صلى الله عليه وسلم يصبرن على ضيق العيش، فيمر الشهر والشهران ولا توقد نار في بيته صلى الله عليه وسلم، ورغم ذلك، فإنهن حظين بحياة سعيدة مع رسول الله. ومن المشكلات أيضا تمرد الزوجة المستمر على زوجها؛ فلا تسمع لأمره ولا تقيم لرأيه وزنا، بل تحرم الزوج في بعض الأحيان من حقه من دون سبب، وهذا من المهلكات التي تجعل الزوج يزداد حقدا وبغضا لزوجته، ولذلك قرن الرسول صلى الله عليه وسلم دخول المرأة الجنة وبعدها عن سخـط ربهــا بطـــــاعة زوجها في ما هو مباح، وألا تمنعـــه عن نفسها، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:

«إذا صلت المرأة خمسها وصامت شهرها وحصنت فرجها وأطاعت زوجها قيل لها: ادخلي الجنة من أي أبواب الجنة شئت»(12)، وفي حديث آخر يقول صلى الله عليه وسلم: «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح»(13).

ومن المشكلات أيضا إهمال الزوجة لزوجها، فلا تتجمل له ولا تحسن استقباله، ولذلك أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن حسن تبعل المرأة لزوجها والاهتمام به يعدل الجهاد في سبيل الله، فلما سألته أسماء - رضي الله عنها - فقالت له: يا رسول الله: إن الرجال فضلوا علينا بالجمعة والجماعات وحضور المشاهد والجهاد في سبيل الله، فما لنا نحن النساء؟ فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «ارجعي إلى من وراءك من النساء فأخبريهن أن حسن تبعل إحداكن لزوجها يعدل ذلك كله» (14).

من المهم جدا أن يدرس الرجل والمرأة الحياة الزوجية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليقتديا به وبأزواجه حتى تبقى الأسرة متماسكة ويستشعرا معنى السعادة الزوجية ويجتنبا ما يعكر صفوها ويعلم كلا الطرفين حقوقه وواجباته فيلتزم بها.

الهوامش

1- متفق عليه.

2- رواه الترمذي.

3- كتاب إحياء علوم الدين للغزالي.

4، 5، 6- رواه البخاري.

7، 8- رواه مسلم.

9- رواه النسائي.

10- رواه البخاري.

11- رواه أحمد.

12- رواه ابن حبان،

13- متفق عليه.

14- رواه الأصبهاني.

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

فريق الدراجات المائية الكويتي يحقق مراكز متقدمة في بطولة الإمارات

دبي – الوعي الشبابي: أعلن مدير فريق الدراجات المائية في نادي الرياضات البحرية الكويتي ...

لا للضيق من الصغار

✍ د. محمد عباس عرابي - باحث تربوي:    من الظواهر المتفشية في مجتمعاتنا من المحيط ...

الأفكار السبع نحو تحقيق "العبقرية ببساطة"

القاهرة - عبد الحليم حفينة: عندما شرع "فيرجوس أوكونيل" في تأليف هذا الكتاب كان في قمة نجاحه ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال