الأحد، 27 سبتمبر 2020
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي

محدث عصره العلامة الألباني

✍ هشام الصباغ - باحث لغوي: انطلاقا من مقولة «الناس موتى وأهل العلم أحياء»، نسلط في ...


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

171 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

rvhxm

د.محمود فرغلي - باحث دراسات إسلامية – مصر:

عديدة هي المؤشرات التي تؤكد قلة محصولنا - نحن العرب - من القراءة مقارنة بالأمم الأخرى، وكثيرة تلك الدارسات التي درست هذه الظاهرة بالفحص وتقديم الاقتراحات، خاصة أنها مشكلة مترامية الأطراف، ولها أبعادها الاجتماعية والتربوية والاقتصادية والسياسية، ولذلك سنركز على جانب واحد من جوانبها، وهو المناهج الدراسية وأثرها على عملية القراءة.

إن جذور المشكلة فيما أرى تبدأ من المنهج الذي يدرسه الطفل العربي، وسيطرة التعليم البنكي كما أطلق عليه «باولو فريري»، وهو: «التعليم الذي يحرم الإنسان من لذة التساؤل والدهشة، حيث يظل الإنسان عقلا فارغا لتلقي ما يودع فيه، ومن ثم يصبح أكثر سلبية وتأقلما، بناء على مفهوم أن الإنسان الصالح هو الإنسان المتأقلم لملاءمة مجتمع القهر» (1)، وقد لا نبالغ حين نرى أن مناهجنا العربية وطرق تدريسها أحد الأسباب الرئيسة في انصراف الأطفال عن القراءة، وعدم تحولها إلى عادة مستمرة في مراحل حياتهم المختلفة، والدليل على ذلك ما تشير إليه الدراسات الميدانية التي أجرتها لجنة تحديث تعليم اللغة العربية بدولة الإمارات «أن النشاط الأكثر متعة بالنسبة للطلاب هو في الحقيقة نشاط المطالعة خارج إطار المنهج المدرسي» (2)، ووفقا لهذا التناقض البادي بين إقبال هنا وإدبار هناك؛ ندرك أن المناهج وطرق تدريسها مصدر من مصادر الخلل، وهذا ما نحاول أن نسلط عليه الضوء في دراستنا، من خلال التركيز على النظرة التقليدية للغة وأثرها على انصراف الأطفال عن القراءة.

إن جملة من المفاهيم الخاطئة قد أسهمت في تفاقم المشكلة، وفداحة نتائجها، وكل حل بعيد عن تفكيك هذه المفاهيم وتصويبها هو ضرب من الخيال، وكل منهج لغوي لا يحول القراءة إلى سلوك مستمر، هو منهج قاصر فاقد لمبررات وجوده.

النظرة التقليدية للغة

دائما ما يكون الوعي عرضة للتزييف أو التغييب، وذلك بسبب هشاشة عناصره وتعرضها للتغير المستمر، نظرا لارتباطه الوثيق بواقع يؤطره ويرسم له صورة ذهنية تتمثل في مجموعة المعتقدات والمعارف التي يحتفظ بها الفرد عن البشر، والموضوعات المختلفة وفقا لنظام معين، هذه الصورة من أهم وسائل الوعي في تنظيم الخبرة والتعامل مع الوجود الخارجي ومكوناته، وحاجة الوعي ماسة للصورة الذهنية، تجعله يشكل صورا مبسطة لما يرغب في التعامل معه، وتلك الصور كثيرا ما تكون قاصرة أو زائفة أو مشوهة، مما يحولها في أحيان كثيرة من أداة تعين الوعي إلى حجب تحول بينه وبين رؤية الأشياء على ما هي عليه (3)، ليتحول الوعي إلى نوع من الوعي الزائف الذي يضر ولا ينفع، ولو تأملنا هذا الوعي نجد أنه يتسم بالثبوتية والتكلس وعدم القدرة على التجدد، تعصف به الأهواء، ويسيطر عليه الجمود، حتى يصبح هو واللاوعي سواء، وهذا ما نلمسه في طريقة تعامل مناهجنا مع اللغة، وما يقدم للقارئ الصغير، وفي هذا الإطار نطرح السؤال التالي:

هل اللغة مجرد وعاء ناقل على نحو ما تتعامل كثير من مناهج اللغة العربية؟

إن الفكر اللغوي الحديث يجيب عن هذا السؤال بالنفي، فاللغة ليست مجرد وعاء ناقل بل أداة لتنمية الفكر والإبداع وإصلاح العقل، بل إنها تمثل نهجا معرفيا ضروريا لأية نهضة مرتجاة، فهي «بأدواتها وإشكالياتها وفنونها: أدبا وشعرا، هي وسيلتنا لإصلاح عقولنا؛ إنسانية وآلية وجمعية، ولتنمية تفكيرنا؛ نقديا وإبداعيا ولزيادة إسهامنا في إنتاج المعرفة» (4)، والوظيفة الوعائية - وهي أساسية فيها بحكم جهازها الترميزي والإشاري - تهدر الطاقات الفعالة في اللغة، ويكون ذلك على حساب أدوارها الأخرى الذهنية والتواصلية والوجدانية والإبداعية، فيتراجع الجمالي لصالح الفكري، ويهدر الشكل في أتون المضمون الذي لا يجدي فتيلا في تنمية الذوق وتطوير الفكر، مهما كان هذا المضمون ساميا، ففي ظل التعليم التلقيني يذهب الوعاء بما وعى سدى، أيا كان المحتوى، حيث يتم التركيز على المضمون لا حامله، أي: الوعي بالمحتوى دون الوعي بالوعاء، والخطورة تنبع من أن صعوبة المحتوى أحيانا تنسب إلى اللغة لا الموضوع ذاته.

تلك النظرة تنبع من النظر للكلمات باعتبارها معطى ثابت أو إشارات سابقة التجهيز على أشياء سبق أن أدركناها، كل ما علينا أن نعيد تداولها، «أما التفكير الحديث فيرى أن الكلمة ليست مجرد بطاقة توضع على أصناف سابقة من المرئيات والمدركات، بل تعد الكلمات مواقف، فحين نستعمل كلمة الرجل نكون أو نخلق مفهوما معينا لم يكن تقرر من قبل، الكلمات هي حياتنا والشيء المشار إليه لا ينفصل عن موقف ولغة ومتكلم، ونحن لا نسمي الأشياء على التدقيق بل نفكر فيها، كلمة التسمية موهمة، وكلمة نفكر تعني أننا نضيف ونحذف ونكون ونركب» (5).

إن أمر اللغة لأكبر من أن يقوم به مجموعة من الموجهين والخبراء، ممن يتقيدون برؤية تقليدية للغة، لذلك يتمثل أخطر ما ينتج عن الوعي الزائف ثبوت تلك الرؤية الجامدة للغة مفهوما ووظائف، وهو الأمر الذي ترتبت عليه أمور جد خطيرة فيما يتعلق بمحتوى مناهجنا التعليمية، ومنها اختياراتنا لما يقرؤه أطفالنا، إذ غلبت الوظيفة الوعائية على اللغة والتعامل معها بوصفها أداة محايدة أو شفافة. علما بأن تحرر اللغة وتطورها رهن بعملية نقل ملحة «من وضعية الرف الحامل للأشياء النافعة إلى كائن نافع أو منتج نافع» (6).

وليس غريبا أن تجمع اللغة العربية بين الكراهية والإكراه في جذر لغوي واحد، فالتعليم كما يقول باولو فريري: «ممارسة للحرية وليس مجرد نقل أو إرشاد إلى المعرفة».

والحقيقة أن تعليمنا يعاني من نقص شديد في البحوث التي تتناول اتجاهات الطلاب القرائية، وميولهم الأدبية.

على سبيل المثال نجد أن النصوص الشعرية - على الأقل في المرحة الثانوية - المبنية على غير اختيار الطالب مصيرها النسيان أو التجاهل، إلا إذا مست وترا عاطفيا حساسا في نفسه التواقة وعاطفته المشبوبة، ولذا ليس عجيبا أن نجد شبه إجماع من الشعراء أنفسهم بعقم كثير مما يقدم من شعر في مناهج اللغة العربية، وعدم تفاعلهم معه، بنفس القدر من التفاعل مع ما اختاروه هم بأنفسهم، ووافق ذائقتهم، فجعلوه أساسا لبناء ملكتهم الشعرية الناشئة، ولا يقتصر الأمر على اختيار نصوص سقيمة متقشفة جماليا وفنيا، تحكمها اختيارات ومسابقات تجعل من الناظم شاعرا ومن الدخيل على الشعر أصيلا، فالملاحظ أن من يقومون بتلك الاختيارات منفصلون تماما عن الحركة الشعرية في العقود الثلاثة الماضية وفورانها، وتحولاتها الجمالية والفنية، بسبب قصور الوعي بخطورة الشعر ودوره في تطور اللغة، وتفعيلها لتنمية القدرات الذهنية والإبداعية لأجيال تواجه من المؤثرات المرئية والصوتية، ما يفوق كمًّا وكيفًا ما تعرض له من سبقهم آلاف المرات.

وبناء على تلك النظرة المتكلسة لظواهر دائمة الفوران من الصعب أن نجد نصوصا من اختيار الطلاب أنفسهم، أو قراءات متعددة للنص المختار سلفا، أو مختارات قرائية لا صفية شائقة ومدهشة، تواكب متغيرات عصر مواقع التواصل بلغتها الجديدة الموجزة المكثفة، ومن هنا ترتكب الجهات المسؤولة عن تلك الاختيارات جرما في حق الوطن وأطفاله وشبابه، من حيث تحسب أنها تنفعهم.

ما وراء اللغة الوعاء

لا يظننن ظان أننا ضد الوظيفة التقليدية للغة، فهذا أمر ضد منطق اللغة ذاتها، وما نقصده هو خطورة إهدار وظائفها التواصلية والحجاجية والإبداعية، وإمكاناتها وإشكالياتها وفنونها لصالح وظيفة واحدة مهما كانت أهميتها، لما يحف هذه الأحادية من مخاطر وإشكاليات عديدة نكتفي منها بالآتي:

1-النضج الوجداني والذهني لدى الأطفال يرتبط باللغة الأم؛ لذا كان من الضروري أن تجسد الاختيارات مراحل تطور اللغة لديه للوصول إلى مرحلة الإبداع اللغوي، لا ليكون أدبيا بالضرورة، ولكن لكي تجلي دور اللغة بوصفها وسيلة لتنمية التفكير الإبداعي لديه، هذا التفكير لا ينمو في ظل سلطة المنهج القائمة على الجبر والقهر في ما يقدم من نصوص، وفي تفسيرها وقراءتها، بحيث يتم تكريس النظرة الأحادية للنص وغلق باب التأويل والنقد والمساءلة، في إطار نمط تعليم بنكي.

2- تتناقض هيمنة الوظيفة الوعائية مع المفاهيم الحديثة للتعليم والتعلم معا، وأهمية تنمية مهارات التفكير الناقد والعصف الذهني وغير ذلك من مهارات، فالتعليم – وفقا لقول تشومسكي - ليس ملؤك كأسا من الماء، بل مساعدة وردة على أن تنمو بنفسها، والشعر فضاء واسع لتنمية تلك المهارات، بدءا من حرية اختيار النص وحرية قراءته وتأويله ونقده.

3-غلبة المفاهيم التعليمية التقليدية أو ما يطلق عليه بيداغوجيا تعليم ما قبل الصناعة، القائم بصورة أساسية على انتقاء المادة التعليمية وطرق تقديمها ووسائله، وشاع الحديث عن المناهج والمنهجيات وتأهيل المعلمين، وهذا التعليم السائد في بلادنا يختلف تماما عن مفهوم التعليم في عصر المعلومات ومقوماته ووسائله وغاياته وليس من المنتظر أن يحدث تحولا يذكر في اتجاهات الطفل حيال القراءة.

4-تكرس النظرة الوعائية لأداتية اللغة، أي: النظر للغة باعتبارها أداة أو مجرد وسيلة، إذ تتجاوز العلاقة بين اللغة ومتحدثها هذا الإطار الضيق للعلاقة إلى مراتب من التماس بصورة تجعل خصائص الأمة من خصائص اللغة التي تتكلمها كما ذهب هردر، إذ لا يمكننا أن ندرك العالم من حولنا إلا من خلال اللغة، وعبر منظارها، «فاللغة إذن، ليست أداة وحسب ولا محتوى وحسب، بل هي بمعنى ما من المعاني القالب الذي تفصل المعرفة على أساسه تماما، كما يفصل الخياط الثوب على أساس القالب» (7).

وبناء على ما سبق يمكن القول بأن تعليمنا لابد أن يبنى على وعي نقدي يتكامل ويتشابك مع الواقع، بخلاف الوعي الساذج الذي يفرض نفسه على الواقع، فالإسهام المميز للتربية يتجلى «في تعليم نقدي، يعين على تكوين اتجاهات نقدية لمواجهة الوعي الساذج» (8)، وهو ما يتطلب تغييرا شاملا في محتوى تعليم اللغة العربية كي يكون أكثر جاذبية وتشويقا، يقوم على المشاركة الفاعلة بين المعلم والطالب، لأن اللغة هي المفتاح السحري لحب أطفالنا المعرفة والقراءة في شتى مجالاتها، وبها ومعها يتحول الطفل العربي من قارئ موسمي إلى قارئ مدى الحياة.

الهوامش

1- باولو فريري، تعليم المقهورين، (ص55).

2- تقرير لجنة تحديث تعليم اللغة العربية عن موقع: العربية لغة حياة، (ص74).

3- عبد الكريم بكار، تجديد الوعي، (ص12).

4- نبيل علي، العقل العربي ومجتمع المعرفة، (2/236).

5- مصطفى ناصف، اللغة والتفسير والتواصل، (ص131).

6- رفيق البوحسيني، الأبعاد الرابطة بين اللغة العربية والتواصل، دراسة في كتاب التواصل نظريات وتطبيقات، (ص77).

7- محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، (ص77).

8- باولو فريري، التعليم من أجل الوعي الناقد، ترجمة حامد عمار، (ص72).

 

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

الملا وفهد ناصر يكرمان بطل العالم يوسف العبدالرزاق

  الكويت – الوعي الشبابي: كرم د.صقر الملا نائب المدير العام للرياضة التنافسية، ورئيس ...

أطفالنا والصيام

  نهى الفخراني أطفالنا شديدو الذكاء والملاحظة.. فتراهم يلحظون متى ننشغل عنهم وإن بدا أننا ...

الطوفان الرقمي.. يكشف خبايا الشبكة العنكبوتية

 القاهرة – عبد الحليم حفينة: بالتأكيد إنك أحد مستخدمي الشبكة العنكبوتية طالما شرعت في ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال