الجمعة، 16 نوفمبر 2018
رئيس التحرير
فهد محمد الخزّي


 

 

المتواجدون على الموقع

المتواجدون الأن

111 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

 samah badbyaan

القاهرة – محمد عبدالعزيز يونس:

"ليست الكلمات هي كل ما يُقال ويُسمع.. كلا! فما قيمة كلمات تطمسها هبَّات الرياح، ونسيان البشر؟! الكلمات الحية لا تُقال... بل تُسطَّر على الورق! تلك التي ننفخُ فيها من أرواحنا نفخة الحياة... فتنتفض بصدق الإحساس والمشاعر! تلك التي تمنحنا حق الوجود في ذاكرة الزمن، تلك التي تنحتها قلوبنا على جدران الحياة، وسطور الورق"...

 

بهذه الكلمات، ذيَّلت الكاتبة اليمنية الشابة سماح بادبيان مجموعتها القصصية الأولى، "خلف الأضواء" الصادرة مطلع هذا العام عن دار البشير للثقافة والعلوم بالقاهرة، لتكون باكورة أعمالها المطبوعة في استقبال جمهور معرض القاهرة الدولي للكتاب.

تضم المجموعة 26 قصة قصيرة في 142 صفحة من القطع المتوسط، تطوف بالأحلام والانكسارات في مجتمع كان آمنًا فبات محفوفًا بالقسوة والدماء، وتحاول الكاتبة اصطياد هذه الأحلام وفتح نوافذ الأمل أمامها، تتصدى قسوة الواقع ومعاول الفساد لطموحات وآمال قلوب يافعة لتدخل في معركة متجددة ترفض الكاتبة تُحديد نهاياتها، وكأنها تستنهض في كل إنسان همته لمواصلة مسيرته دون توقف أو خنوع أو انهزام.

خلف الأحلام

تتطرق "سماح بادبيان" في قصة "آمال مبتورة" إلى غائب منتظر، ذهب يبحث عن أحلام تبددتْ في وطنه، بعد أن سرقها منه من بيدهم القوة والنفوذ، وترك زوجته ووالدته وهاجر، فلا الأحلام تحققتْ، ولا هو عاد، ومع ذلك لم تقطع الكاتبة الأمل، وما زالتْ زوجته وأمه تنتظرانه!

كما تطرقت الكاتبة إلى عديد من التقاليد المجتمعية البالية، وكيف أنها قد تغير مصير إنسان أو تحطم أحلامه دون سند من شرع أو منطق، فها هي في قصة "رباط" تتابع تلك الجدة العجوز التي يحبها كل من في الشارع وينهلون من حكمتها، دون حتى أن يعرفوا منبع هذه الحكمة، التي استنطقتها فتاة جاءت تسألها رأيها في خطبتها لقريب بناء على رغبة الأهل، فإذ بالجدة تقص على الفتاة قصتها التي لم يطلع عليها أحد، وكيف أنها منذ أول أيام ولادتها ارتبط مصيرها بابن عمها بناء على كلمة من أبيها لعمها.. كبرتْ الفتاة والصبي، تخلَّتْ من أجله عن دراستها الجامعية، بينما سافر هو ليبني مستقبله، وحينما عاد كان يحمل معولًا لهدم بنيان قلبها وعمرها وأحلامها.. عاد بحبٍ آخر من بلاد الغربة، وتخلى عمن ربطت حياتها به بسبب كلمة بائسة ربطتْ مصيرها به..

كانت قصة الجدة هي خير جواب على سؤال الفتاة التي مضتْ وقد اتخذت قرارها بأن لا تسمح لعادات بالية أن ترسم مستقبلها وتحدد مصيرها.

ثم واصلت الكاتبة "بادبيان" في قصة "نزيف الأوراق" النفاد إلى عمق الإنسان ونضاله ضد العراقيل والخيبات وسارقي الاحلام، رصدتْ ذلك الكاتب الشاب الذي يبدع عشرات القصص الجميلة، إلا أن جميع محاولاته لإقناع مدير النشر تصطدم بانتقادات محبطة، وطلبات تعجيزية، ما يلبث الشاب أن يحقق أحدها حتى يفاجئه بغيرها، بل ويقدم له نموذجًا فجًا كتبه أحد المغمورين، ليعلن في ختام السجال أنه (إذا كان هذا هو ما يعنيه الأدب.. فأنا أعلن – بكل فخر – أني قليل الأدب)!!

مجتمع الجنون

وتواصل الكاتبة بكلماتها الدقيقة تعرية المجتمع من خطيئاته خاصة نحو المرأة، وكيف أن الإسلام أكرمها وأهانتها التقاليد البالية، فترصد في قصة "مذكرات طبيبة نفسية" حالة فتاة بائسة اصطحبتها والدتها للعلاج بعد أن امتنعتْ عن الكلام والطعام وحتى الحياة، وبعد جهدٍ جهيدٍ استطاعت أن تطلق لسانها من الأسر، فراحت الفتاة الحزينة تروي قصتها قائلة:

- "إنني أطوي مشاعري في قلبي بحرص، كما أطوي أوراقي؛ ولوحاتي، وقطع ملابسي، وكل شيء مهم في حياتي! إن مشاعري كالألوان تمتزج لتنتج لونًا آخر، فإذا ما طرأ بياض الحب على قلبي مزجته بسواد الخوف، لتسيطر على أجوائه المشاعر الضبابية الفاترة، فلا غيث يهطل ولا نسمة هواء نقية تهب عليه، وإذا ما نَمَتْ براعم السعادة الخضراء، هبَّتْ عليها عواصف القلق لتحرقها.. فيعم الرماد أرض قلبي! إذا كانت الحياة توصف بالألوان فإن لون حياتي هو الرمادي"!

وكشفت الكاتبة عن سر هذه الفتاة على لسانها وهي تواصل حكايتها:

- "لم أبلغ بعد عامي الثلاثين، وهذا هو زواجي الرابع! فحين بلغتُ الرابعة عشرة من عمري قدَّمني أبي مهرًا لزواج أخي، في زواج مبادلة بين العائلتين، لأصير دون أن أعي زوجة لرجل غليظ يكبرني بعشرين عامًا! كنت أهرب من منزله إلى منزل أبي كل يوم باكية شاكية، فيعيدونني إليه.. حتى رقَّ قلب أخي لي، وقد تحسنتْ أحواله، فدفع لزوجي مهر أخته وحررني! فبتُ مطلقة ولم أبلغ بعد عامي الثامن عشر! فاغتمَّ والداي، وضاق صدرهما بلقب مطلقة، فلم يأل أبي جهدًا في أن يجد عريسًا آخر ليسترني، ويمسح عني عار الطلاق حد وصف أمي!

كنتُ ألعب مع جارتي، حين جاءني أبي ليخبرني بأن شابًا خطبني، وقَبِلَ هو.. رفضتُ محتجة، فصاحت بي أمي: الرأي رأي أبوكِ! منذ متى كان للبنت عندنا رأي في زواجها؟!

- ولكنني لا أعرف عنه شيئًا، ولم يرني أو أره!

- ليس مهمًا، هذا أفضل من أن يعلق بك لقب مطلقة!

أقنعني أبي بعدها بالزواج، وزيَّن لي العريس، شاب عشريني ميسور، سيوفر لك بيتًا كبيرًا مفروشًا بأرقى الأثاث... ووصلتني هدايا العريس في اليوم التالي: أثواب، أقراط، وأساور لم أرَ مثلها أبدًا في حياتي... واحتفى كل من في البيت بهذا الزواج العظيم!

وزوجتُ مُكرهة في حفلة صغيرة في منزلنا، واصطحبني أبي بنفسه إلى مزل زوجي الفخم الكبير... ليدخل عليَّ بعدها رجل مسن في السبعين من عمره، يمشي متوكئًا على عصاه، وقد شَاب شعر رأسه أجمعه، وتجعد جلد يديه ووجهه... ليقول لي أبي: هذا زوجك!!!

تركني مصدومة، باكية، وذهب!

جفتْ دموعي كلها خلال ذاك العام، وعدتُ إلى منزل أبي في العام التالي أرملة تحمل ثُمن المال...!

أما زوجي الثالث فكان أول طارق لمنزلنا، بعد عامين من ترمُّلي، شاب غريب عن البلد، رآني خارجة في زيارة إلى منزل جارتنا، فأحبني... وأحببتُ وسامته وأناقته... وتقدم إلى أبي خاطبًا وقدَّم مهرًا ضخمًا فوافق أبي فورًا، ووافقتُ أنا، وعشتُ معه أجمل أيام حياتي، نسيح في حدائق البلد، وآثارها، وشواطئها، وجبالها...

لكن لم تدم فرحتي طويلا، فبعد عامين كالحلم مرَّا، استيقظتُ مذعورة وزوجي يحزم متاعه مغادرًا البلد دون عودة، قائلا لي: انتهتْ المدة المحددة في عقد زواجنا!

مضى على هذه الحادثة خمسة أعوم... مرضتُ خلالها كثيرًا، وكرهتُ نفسي وأهلي، وفكرتُ في الانتحار مرارًا، لو لا أن ربط الله على قلبي، فاعتصمتُ ببقايا إيماني، ولزمتُ مصحفي وسجادتي، حتى عادتْ إليَ سكينة روحيّ، والآن... وحين بدأتْ جراح قلبي بالالتئام، وسكنتْ نفسي إلى حياتي الهادئة في منزلي، وبدأتُ أُلقي بأفكاري السوداء على ظهر أوراقي ولوحاتي... لأتخفف من الهموم التي تغمر قلبي...

يأتون ليخبرونني بأن مسنَّا آخر تقدم لخطبتي...

ووافق أبي كعادته، لأنها فرصتي الأخيرة لمحو عار الطلاق عني وعن أسرتي حد وصفهم!

***

نظرتْ إليًّ بعينين حائرتين، أثقلهما بلل الدموع وهي تقول:

- ماذا أفعل لأنجو بنفسي؟ ليس أمامي من حل إلا أن أمتنع عن الطعام والمنام حتى أموت!

فصحتُ بها:

- إذا كنتِ لا ترغبين في الزواج فارفضيه، لا توقِّعي العقد، ولن يستطيع أحد إجبارك، لكن لا يصح أن تعذِّبي نفسك هكذا!

فقالت بيأسٍ مريرٍ:

- لقد رفضتُ فعلا توقيعه، لكنهم زوَّروا توقيعي! فلم يبق لي من حل إلا أن أموت!

وجمتُ في مكاني لدقائق، وأنا أتأملها وهي تمسح دمعاتها وأُفكر بحل...

ثم ناديتُ الممرضة لتُدخِل العجوز... دخلتْ مسرعة تسألني: طمئنيني يا دكتورة، هل هي مجنونة حقًا؟

فقلتُ:

- للأسف، هي مُصابة بمتلازمة جنون حادة!!

رمقتني الفتاة بنظرة متعجبة مستنكِرة، فغمزتُ لها بعيني...

ولولت العجوز ولطمتْ وجهها وصدرها، وندبتْ سمعة أسرتها المنهارة، وخرجتْ من مكتبي كسيفة مهمومة تنادي زوجها...

وحينها... صافحتني الفتاة وشدتْ على يدي بقوة، ورأيتُ لأول مرة منذ دخلتْ العيادة ابتسامتها الصافية النقية... ثم تبِعتْ والدتها وخرجتْ!

ليتني أستطيع أن أعلم هل ستتزوج؟ أم سينقذها الجنون؟!!

من أجواء المجموعة:

ليس للقلوب أرض تنتمي إليها.. فوطن القلوب قلوبٌ أخرى... أحَبَّتْهّا وسَكَنَتْ إليها

إذا كانت القلوب حجارةً صمَّاء... فلا تعجبْ أن تصبح الدماءُ كالماء!

بعض الدموع تستحي أن تذرفها العينان... فيبكيها القلم!

 

كاتبة استثنائية

وأخيرًا، فإن القاصة اليمنية الشابة سماح بادبيان كشفتْ من خلال هذه المجموعة عن كاتبة استثنائية في مجال صياغة القصة القصيرة المعاصرة، فهي تمتلك لغة جميلة، منضبطة، منفتحة على الواقع وتؤدي إلى فهمه، وإنتاج معالجة فنية رصينة تحافظ على القيم الدينية وتستطيع ترجمة واستبطان مشاعر الإنسان في معظم حالاته.

ويمكن القول إنها كاتبة تملك أدواتها التعبيرية لتميز وجمال أعمالها القصصية على مستوى اللغة والجماليات، ومرونة التعبير، والقالب السردي التخييلي، وطريقة الكتابة عندما تعبر عن المرأة المستغلة في مجتمعها... لذلك يمكن القول بأنها استطاعتْ أن تخدع قارئها، بموهبتها المتميزة التي تنبئ عن كاتبة كبيرة ذات باع طويل من الكتابة التي صقلتها السنون، بينما هي في الحقيقة ما زالت شابة دون الثلاثين، اختزلتْ بموهبتها سنوات طويلة في ينابيع الإبداع.

 

 

التعليقات   

0 #1 نجاح آل كوع 2018-02-08 20:43
دام مدادك يا جميلة الرقيم والخيال
اقتباس

أضف تعليق


كود امني
تحديث

أطفالنا... وحسن الظن بالله

✍ مرهف حسين أسد - كاتب وباحث إسلامي سوري            ...

طلقني.. كلمة تكتب النهاية أم البداية؟

القاهرة - محمد عبدالعزيز ...

اتصل بنا

  • صندوق البريد: 23667 الصفاة 13097 - الكويت
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 22467132 - 22470156

عندك سؤال